عين القضاة

مقدمة 62

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

موجودا سنين كثيرة على منهاج واحد ، فذلك لدوام النسب المقتضية للوجود في تلك السنين نفسا بعد نفس . فاعلم يقينا أن الوجود في كل نفس ، مقتض النسبة الموجودة في ذلك النفس ؛ فالوجود الذي تراه في هذا النفس للسماء والأرض وسائر الموجودات ، غير الوجود الذي تراه فيما بعد ورأيته فيما قبل . نعم لمّا كانت النسب المتغايرة المقتضية لوجود الموجودات واحدة ، في كون كل نسبة منها مقتضية للوجود ، وقع الوهم للأولين من عند آخرهم في هذا الغلط إلّا من شاء اللّه وقليل ما هم . وهذا الفصل غامض شديد الغموض ، صعب المتناول عسير الدرك ممتنع على الافهام ، وزلل الأقدام في أمثاله كثير ، والعقل لا يتصور له ادراك ذلك إلّا بتأمل عظيم ونظر شاف وبحث واف ، وذكاء عظيم وجدّ بليغ . نعم يدركه العارفون بعين المعرفة في أوّل نظرة من غير احتياج إلى تكلّف . ومن استعان من العقلاء في فهم هذا الفصل بنور السراج ، الذي يتجدد له في كل نفس وجود آخر ، سهل عليه ادراكه . فإن الصبيان يظنون أن نور السراج ، الذي يرونه مشتعلا على منهاج واحد ، هو شئ واحد ؛ والعلماء يعلمون قطعا أنه في كل نفس تتجدد له صورة أخرى ، وهذا مقتضى نظر العارف في كل موجود سوى اللّه . ولعل عقلك محيط بشئ من ذلك إن أدمت النظر اليه ، ووقفت فهمك عليه ؛ والغالب أن هذا الباب لا ينفتح للعقل . الفصل السابع والخمسون ( صدور الموجودات الكثيرة عن الواحد ) إعلم أن اللّه كان موجودا ولم يكن معه شئ ؛ ولا أيضا يتصوّر أبدا أن يكون معه شئ ، إذ ليس لشئ مع وجوده رتبة المعية . فاللّه - عز وجل - ليس معه شئ ، ولكنه مع